عبد الملك الجويني

246

نهاية المطلب في دراية المذهب

فقد نقول : إذا أفلس المشتري ، فللقصار تعلُّقٌ بالثوب ، لأجل ما حصّله من القِصارة ، ولا سبيل إلى تخيّل مثل ذلك في الغصب ، فالآثار التي تضمنت مزيداً انقلبت إلى المالك لا محالة ، لاحظ فيها للغاصب ، ولا تعلق بها للعامل . ولو أحدث الغاصب أثراً ، واقتضى زيادةً : مثل أن يغصب نُقرة فيطبعها دراهم ، وازدادت قيمتُها لذلك ، أو غصب تراباً ، فضربه لَبِناً ، فلو أراد المغصوب منه أن يكلفه ردَّ الدراهم تبراً بالإذابة والسبك ، وردَّ اللبن تراباً بالدق ، فالذي قطع به الأئمة أن له أن يكلفه ذلك ، ولا نظر إلى تتبع ( 1 ) الأغراض ؛ فإنها على الجملة ممكنة ( 2 ) . وإذا أمكن غرضٌ ، لم تَجْرِ ( 3 ) مطالبة المالك بإظهاره . وهذا مقطوع به في الطرق . وفيه تنبيهٌ على أصلٍ ، وهو أن من غصب شيئاً على صفةٍ وغير صفتها ، فهو على حكم هذه القاعدة مطالبٌ بردّ صفتها إذا كان ردُّها ممكناً . وهذا غائص يتعيّن حفظه . ويقرب منه ردُّ التراب إلى الحفائر ، وتسويتُها به ، وهو يستند إلى أصلٍ آخر ، وهو رد المغصوب إلى المكان الذي غصبه منه . والذي ذكرناه الآن إعادةُ الصفات لأعيانها . ولو هدم رجلٌ جدار إنسانٍ ، فلا يكلف إعادتَه ؛ فإنه لا يتأتى إعادتُه على النعت الذي كان عليه إلا أن يكون منضداً من غير ملاطٍ ، ( 4 فتكليف تنضيد أحجارٍ من غير استعمال ملاط 4 ) يلتحق برد التراب المنقول إلى موضعه . ولو رضي المغصوب منه بالدراهم ، فقال الغاصب : أردها سبائك ، لم يكن له ذلك ؛ فإنّه لا غرض له في ذلك ، ولا يتوصل إليه إلا بملابسة ( 5 ) ملكِ غيره ، والتصرفِ فيه ، فلا يجاب إلى هذا . وطم البئر إنما ساغ للغاصب على التفصيل المقدَّم بسبب ما فيه من تعرضه للضّمان والعدوان .

--> ( 1 ) كذا في النسختين : " تتبع الأغراض " والمعنى المفهوم بوضوح من السياق : أنه لا نظر في أغراض الملاك ، وتتبّعها ؛ لنرى هل هي معقولة مقبولة ، أو لا معنى لها ، مثل دقِّ اللبِن وإعادته تراباً ؛ فذلك لا اطلاع عليه ، لأن الأغراض في الجملة ممكنة مهما بعد تصورها . ( 2 ) ممكنة : بمعنى محتملة . ( 3 ) في ( ت 2 ) : " لم يجز " . ( 4 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 2 ) . ( ت 2 ) : بملك يثبه ملك غيره .